الشيخ محمد هادي معرفة
64
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
قال أبو الفتح محمد بنعلي الكراجكي : « لم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه ويتبرّأ منه أهله ، سوى القدرية . فأهل العدل - يعني بهم فرقة الاعتزال - يقولون لأهل الجبر - يعني بهم الأشاعرة - : أنتم القدرية ، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل : أنتم القدرية . وإنّما تبرّأ الجميع من ذلك ، لأنّهم رووا - من طريق أبيهريرة - عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه لعن القدرية ، وقال : إنّهم مجوس هذه الأُمّة ، إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم » . « 1 » قلت : أمّا الحديث فمفتعل بلا ريب . قال أبو حاتم : « وهذا الحديث باطل » . وقال النسائي : « هذا الحديث باطل كذب » . ويذكر ابنالجوزي حديث لعن القدرية ، ثمّ يعقّب : « هذا حديث لاشكّ في وضعه » . « 2 » أمّا استدلال الأشعري فلا يعدو مغالطة مفضوحة ، إذ « القدرية » نسبة إلى القول بالقدر - بفتحتين - كالجبرية نسبة إلى القول بالجبر ، وليس اشتقاقا من القدرة بمعنى الاستطاعة . هذا فضلًا عن أنّ القياس بالصائغ ، قياس مع الفارق بعد أن كانت الكلمة المبحوث عنها « قدرية » - بياء نسبة - لا « قادر » اسم فاعل . وعليه فلو صحّ الحديث - ولم يصحّ - كان انطباقه على مذهب الأشعري ، القائل بالقدر . وسلب قدرة العباد ، أولى من انطباقه على مذهب الاعتزال ، القائل باستقلال العباد في اختياراتهم للأفعال . فالقدرية - على ذلك - هم الجبرية من غير فرق . وكذلك أذنابهم من الفرق المتأخّرة كالتيميّة والوهّابية ، على ما سنرمز إليهم في الفصل القادم على الهامش . وإذ قد تبيّنا المذاهب التي عملت في تشويه مفاهيم الإسلام ، وكانت السبَبَ الأوّل في طروء التشابه على كثير من أوجه آي القرآن الحكيم ، يجدر بنا التعرّض لمذهب الاعتزال - أيضا - الذي انتهج - إلى حدّما - منهج العقل وتحكيم الفطرة في درس القضايا
--> ( 1 ) - كنز الفوائد للكراجكي ، ص 49 . ( 2 ) - راجع : الموضوعات لابنالجوزي ، ج 1 ، ص 275 - 276 . وجاء في مسند أحمد وغيره ما يناقض الحديث المذكور . فقد روى ابنعمر عن النبيّ صلى الله عليه وآله أنّه قال : « لكلّ امّة مجوس ، ومجوس امّتي الذين يقولون : لاقدر . إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم » . المسند ، ج 2 ، ص 86 .